محمد حسين الذهبي
68
التفسير والمفسرون
عليه وسلم ، وتحدث بهذا ابن عباس عن نفسه فقال « وجدت عامة حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند الأنصار ، فإن كنت لآتى الرجل فأجده نائما ، لو شئت أن يوقظ لي لأوقظ ؛ فأجلس على بابه تسفى على وجهي الريح حتى يستيقظ متى ما استيقظ ، وأسأله عما أريد ، ثم أنصرف » . رابعا : حفظه للغة العربية ، ومعرفته لغريبها ، وآدابها ، وخصائصها ، وأساليبها ؛ وكثيرا ما كان يستشهد للمعنى الذي يفهمه من لفظ القرآن بالبيت والأكثر من الشعر العربي . خامسا : بلوغه مرتبة الاجتهاد ، وعدم تحرجه منه ، وشجاعته في بيان ما يعتقد أنه الحق ، دون أن يأبه لملامة لائم ونقد ناقد ، ما دام يثق بأن الحق في جانبه ، وكثيرا ما انتقد عليه ابن عمر جرأته على تفسير القرآن ، ولكن لم ترق إليه همة نقده ، بل ما لبث أن رجع إلى قوله ، واعترف بمبلغ علمه ، فقد روى أن رجلا أتى ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى « أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما » « 1 » فقال : اذهب إلى ابن عباس ثم تعال أخبرني ، فذهب فسأله فقال : كانت السماوات رتقا لا تمطر ، وكانت الأرض رتقا لا تنبت ، ففتق هذه بالمطر ، وهذه بالنبات ، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال : قد كنت أقول : ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن . فالآن قد علمت أنه أوتى علما . هذه هي أهم الأسباب التي ترجع إليها شهرة ابن عباس في التفسير ، يضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبوة ، منبع الهداية . ومصدر النور ، وما وهبه اللّه من قريحة وقادة ، وعقل راجح ، ورأى صائب ، وإيمان راسخ ، ودين متين .
--> ( 1 ) في الآية ( 30 ) من سورة الأنبياء